شرعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ما يُعرّف بـ "عملية العزلة"، وهي فرض عقوبات ثانوية على الدول الثالثة التي تتعامل مع إيران. تشمل هذه الإجراءات خمسة قطاعات: الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والنقل البحري. كما فرضت واشنطن عقوبات جديدة على حوالي 60 فرداً وشركة وسفينة تدعم برامج إيران النووية والصاروخية وإيراداتها النفطية. والهدف المعلن هو قطع خطوط الحياة الاقتصادية لإيران بغية التوصل إلى وقف للحرب.
إلا أن الاعتقاد بأن العقوبات الاقتصادية وحدها قادرة على إنهاء الحرب يعكس تفاؤلاً مفرطاً. فالعقوبات الاقتصادية هي أداة لزيادة تكاليس الطرف الخصم وتضعيف قوته التفاوضية، لا حل بحد ذاتها. والتاريخ يشهد على ذلك. فقد فرضت الولايات المتحدة والدول الغربية عقوبات اقتصادية قوية وطويلة الأمد على إيران والعراق وروسيا، مما ألحق ضراراً كبيرة بها، إلا أن هذه العقوبات لم تفضِ إلى تغيير أهدافها الاستراتيجية أو سلوكياتها السياسية. وإيران بخاصة نجحت في الصمود لعقود في وجه العقوبات، وبنت شراكات تجارية مع الصين وروسيا، وطورت قنوات بديلة للتجارة. وكلما طالت مدة العقوبات، اتسعت ظاهرة التهرب من العقوبات والاقتصاد غير الرسمي، مما عزز بدوره السيطرة المركزية للنخبة الحاكمة.
تلجأ الدول الكبرى إلى ورقة العقوبات لأنها أقل كلفة من التدخل العسكري الشامل وتسمح بإظهار القوة أمام المجتمع الدولي. والولايات المتحدة تملك أدوات هائلة في هذا المجال: الدولار والشبكات المالية العالمية. غير أن شبكات إيران للتهرب من العقوبات متنوعة وواسعة النطاق. والصين وروسيا من المرجح أن لا تمتثل بسهولة للضغوط الأمريكية. وإذا ما اتخذت واشنطن الصين ـ أكبر شريك تجاري لإيران ـ هدفاً صريحاً للعقوبات، فقد يؤدي ذلك إلى توسيع دائرة النزاع بين أمريكا والصين. وفي الواقع، لم تضع الإدارة الأمريكية المؤسسات المالية الصينية الرئيسية في قائمة العقوبات حالياً، ما يعكس وعياً من واشنطن بالتداعيات الاقتصادية والدبلوماسية المحتملة لفرض عقوبات على الصين.
وهناك احتمالية متزايدة بأن تؤدي هذه العقوبات إلى تصعيد مستوى الانتقام الإيراني. فإيران تحذر من الانتقام من الدول التي تتعاون في فرض العقوبات. وإذا ما ارتفع منسوب التوتر حول مضيق هرمز وسلاسل إمداد النفط في الشرق الأوسط، فإن تأثير العقوبات لن يقتصر على إيران وحدها. فقد تتحمل الاقتصادات العالمية تكاليف إضافية من خلال ارتفاع أسعار النفط العالمية ورسوم الشحن.
وللعقوبات الاقتصادية دورها الفعال كأداة تدعم الضغط العسكري والمفاوضات الدبلوماسية. وفي الواقع، فإن العقوبات الدولية على إيران تفرض عبئاً اقتصادياً كبيراً، وتسعى واشنطن من خلالها إلى تعزيز قدرتها التفاوضية تجاه طهران. لكن يجب عدم نسيان أمر حاسم: يتعين على من يفرض العقوبات أن يضع استراتيجية خروج متزامنة معها. وينبغي أن تكون هناك وضوح حول ما يجب على الطرف الآخر فعله لرفع العقوبات، وفي أي ظروف يمكن بدء المفاوضات والهدنة. فالعقوبات بلا مخرج تترك للخصم خياراً واحداً فقط: الاستسلام أو الصمود. وفي مثل هذا السيناريو، يزداد معاناة الشعب، بينما تتمكن القيادة السياسية من تعزيز الوحدة الداخلية.
إذا كانت إدارة ترامب تسعى حقاً إلى إنهاء الحرب وليس إلى القضاء على إيران، فعليها أن تعد استراتيجية متوازية تجمع بين الضغط الاقتصادي والحل الدبلوماسي. يجب تضييق الخيارات أمام إيران عبر العقوبات، لكن في الوقت ذاته يجب ترك باب المفاوضات مفتوحاً. فالقوة العسكرية والاقتصادية ليستا سوى أدوات لجلب الطرف الآخر إلى طاولة المفاوضات، وليستا الحل النهائي الذي ينتج عنه السلام. والمقياس الحقيقي لقوة الدولة الكبرى وقدرتها الدبلوماسية ليس في مدى الضغط الذي تستطيع ممارسته، بل في قدرتها على جعل خصمها يختار طريق الخروج. وإذا ما تمسكت الولايات المتحدة بسلاح العقوبات وحده، فإن إنهاء الحرب سيبقى حلماً بعيد المنال.
* تمت ترجمة هذا المقال تلقائيًا بواسطة الذكاء الاصطناعي.
